هل المعلومات في مصرمكشوفة أمنيا؟
وأن الحديث عن علاقة صحية
وسليمة بين الطرفين يتطلب بناء ثقافة أمن معلومات مجتمعية كافية, كما تضمنت
المقالات حديثا سريعا عن المعلومات المطلوب تأمينها والمخاطر التي تهدد هذه
المعلومات سواء بالتعقب والسرقة أو التعطيل والإفساد, وفي ضوء النقاط السابقة
ننتقل اليوم بالمناقشة إلي نقطة جديدة وهي: ما هو علي وجه التحديد مستوي
التأمين الذي تتمتع به معلوماتنا القومية في القطاعات المختلفة؟ وهل هو مستوي
يضمن تأمينا مقبولا لهذه المعلومات أم يعاني من تدهور يجعل هذه المعلومات في
حالة انكشاف أمني؟
قبل مناقشة هذا السؤال والإجابة عنه أعود للتذكير بأمرين: الأول أن المقصود
بالمعلومات القومية هو ـ كما ذكرنا تفصيليا في المقال الثالث بهذه السلسلة ـ
ذلك المحتوي المعلوماتي المجتمعي الذي يمثل المادة الخام الأساسية التي يعتمد
عليها عقل المجتمع في إدارة مصالحه والحفاظ عليها, سواء علي المدي القصير أو
البعيد, ويتفرع هذا المحتوي إلي اتجاهات شتي مكونا محتويات معلوماتية متنوعة,
كل منها يتعلق بقطاع أو فئة من فئات المجتمع أو نشاط من أنشطته مثل المحتوي
المعلوماتي العسكري والأمني, والمحتوي المعلوماتي الفكري والسياسي,
والمحتوي المعلوماتي الاجتماعي, والمحتوي المعلوماتي الاقتصادي والخدمي,
والمحتوي المعلوماتي العلمي والبحثي, والأمر الثاني: أن حالة الانكشاف
الأمني تعني عدم وجود التحصين والمناعة الكافية ضد المخاطر التي شرحناها تفصيلا
في المقالين الرابع والخامس, وتناولت أدوات تعقب المعلومات وأدوات تعطيلها
وإفسادها.
وعند طرح التساؤل الخاص بمستوي التأمين الذي تتمتع به معلوماتنا القومية,
سنجد من يؤكد أن معلوماتنا القومية محمية ومؤمنة ولا داعي لهذه المناقشة أصلا,
وسنجد كذلك من يسارع إلي القول بأن هذه المعلومات تعيش انكشافا أمنيا حادا
يتطلب التدخل العاجل, وفي اعتقادنا أن الرأيين لا يمثلان الإجابة الأقرب
للصواب لأن الإجابة الأقرب للحقيقة علي هذا السؤال أنه: لا إجابة أو أننا
فعلا لا ندري... لماذا؟
لأنه باستثناء ما هو مطبق لدي الجهات السيادية العسكرية والأمنية من إجراءات
خاصة بأمن المعلومات الموجودة لديها لا توجد بالبلاد جهة بعينها ترسم وتطبق
وتتابع سياسة وطنية شاملة لأمن المعلومات داخل البنية المعلوماتية في جميع
المجالات والأفرع السابقة, وتضع وتتابع تنفيذ المعايير الفنية والإجرائية
والإدارية الموضوعية التي يمكن الرجوع إليها واستخدامها في فحص وتقييم وقياس
مستوي التأمين المطبق واقعيا علي المعلومات القومية المختلفة المطلوب تأمينها
بما يهييء المجال للحصول علي إجابة شافية تحدد ما إذا كانت معلوماتنا القومية
تعيشك حالة انكشاف أم تأمين.
ومؤدي ذلك أنه ليس لدينا سياسة شاملة لأمن المعلومات ولا معايير واضحة متفق
عليها لتقييم الوضع القائم بشكل علمي موضوعي متجرد وعميق, وهذا ما يجعلنا
نقول بأنه من الناحية الواقعية لا يوجد لدينا طرف أو جهة بعينها تملك إجابة
مقنعة عما إذا كانت البنية المعلوماتية الحديثة أو التقليدية التي يتداول
بداخلها المحتوي المعلوماتي المجتمعي ـ بتفريعاته الاجتماعية والفكرية
والسياسية والبحثية والخدمية والاقتصادية ـ تحظي بتأمين مقبول وباعث علي
الاطمئنان أم تعاني انكشافا أمنيا.
ولو نظرنا إلي ما يجري فعليا داخل القطاعات المختلفة للبنية المعلوماتية
القومية, سنجد عشرات النقاط المبهمة وغير الواضحة التي تحمل في طياتها أسئلة
تدعم فرضية اللا إجابة ومنها علي سبيل المثال لا الحصر:
ـ لدينا الآن العديد من قواعد البيانات القومية الكبري كقاعدة بيانات الرقم
القومي, وقاعدة بيانات التأمينات الاجتماعية وقاعدة بيانات المقاصة والتسوية
الخاصة بتداول أسهم الشركات العاملة بالبورصة, وقاعدة بيانات الأبنية
التعليمية, وقاعدة بيانات السجل التجاري والشركات ومركز معلومات التجارة,
وقواعد البيانات الكبري بالبنوك وشركات التأمين وغيرها, وعمليا ليست هناك جهة
معروف أنها مسئولة عن وضع سياسات تأمين عليا موحدة علي المستوي الوطني يتعين
اتباعها عند تصميم وبناء وتشغيل وصيانة وتحديث قواعد البيانات القومية الكبري,
ووضع معايير فنية موضوعية ومتفق عليها تستخدم في مراجعة وتدقيق وقياس مستوي
كفاءة إجراءات أمن المعلومات المتبعة بهذه القواعد بشكل دوري ولديها معلومات
محايدة موثوق بها عن حالة أمن المعلومات بهذه القواعد, بل الأمر متروك
للمسئولين عن تشغيل وإدارة كل قاعدة علي حدة, ومن ثم فثقافة واستراتيجيات أمن
المعلومات المتبعة ـ إن وجدت ـ تتفاوت ما بين قاعدة وأخري من حيث المفاهيم
والإجراءات والأدوات ومستوي الأداء, ولذلك فإننا حينما نسأل عن مستوي التأمين
الذي تحظي به المعلومات في قواعد البيانات القومية, فلن نجد أحدا لديه إجابة
شافية يمكن الاعتماد عليها, وسنجد فقط اجتهادات من القائمين علي كل جهة بشكل
منفرد وهي اجتهادات لا يمكن الاطمئنان كلية إلي حيادها, لأنه لن يخرج مسئول
عن قاعدة بيانات كبري ليقول أن قاعدة بياناته غير مؤمنة.
ـ في قطاع الاتصالات لدينا الآن شبكة الاتصالات العامة التي تديرها المصرية
للاتصالات بما تحتويه من بوابات للاتصال الدولي, ولدينا شبكات نقل البيانات
والبنية الرقمية وتقديم خدمات الإنترنت وشبكات المحمول وشبكات الاتصال عبر
الاقمار الصناعية, كما أن البلاد علي وشك فتح خدمة الاتصالات الصوتية عبر
بروتوكولات الإنترنت وفتح الاتصالات الدولية أمام القطاع الخاص, وهناك حديث
عن نشر تكنولوجيات جديدة في مجال الاتصالات اللاسلكية مثل شبكات الـواي ماكس
وغيرها, وهكذا يبدو الأمر في قطاع الاتصالات وكأنه لوحة فسيفساء تحتوي أجزاء
عديدة متنوعة الألوان متغيرة الخواص طوال الوقت من منظور أمن المعلومات,
وحينما يتابع المرء ما يجري أو يقال في هذا القطاع لا يجد كلمة واحدة تدل علي
أن هناك جهة أو حتي عدة جهات تعلن مسئوليتها عن رسم سياسات وطنية لإدارة قضايا
أمن المعلومات في لوحة الفسيفساء الاتصالية الموجودة أمامنا وعن معايير موضوعية
لفحص وتدقيق خطط وإجراءات الأمن المطبقة ولو حتي من باب الاسترشاد ببحوث
وإجراءات ميدانية بالعينة وليس الفحص الشامل, ولذلك لو سألت عن مستوي التأمين
الذي تحظي به المعلومات المتداولة في هذه الشبكات جميعا لن تجد الحال بأفضل مما
هو عليه مع قواعد البيانات القومية, لأنك ستحصل علي إجابات حيادها مجروح,
كونها صادرة عن مديري وأصحاب ومسئولي هذه الشبكات الذين سيغرقونك حتما في
تفاصيل تصم الآذان عن مستويات تأمين لا مثيل لها, أما ما يجري علي أرض الواقع
فعليا فهو شيء لا يزال بانتظار جهة محايدة لها عقل قومي يرصد ويحلل ويقدم إجابة
جديرة بالاعتماد والقبول.
ـ لدينا الآن عدد كبير من بوابات الاتصال الخارجي التي يتم من خلالها توفير
خدمات الانترنت بالبلاد تتبع جهات عديدة تشمل شركات من القطاع الخاص وجهات من
القطاع الاكاديمي وبعض جهات الدولة الأخري, وعمليا تعتبر هذه البوابات منافذ
يستخدمها الملايين من المصريين وغير المصريين طوال الوقت في إخراج وإدخال
معلومات بكميات مهولة من وإلي البلاد في صورة رسائل بريد إلكتروني ومعلومات
وبيانات متبادلة بين مستخدمي مواقع الشبكة وعمليات متعلقة بالتجارة الإلكترونية
وغيرها, وعالميا هناك تفاوتات حادة في السياسات الأمنية المتبعة في التعامل
مع هذه البوابات منها سياسات المراقبة الشاملة كما هو الحال في الصين, ومنها
سياسات المراقبة الاستهدافية الانتقائية كما يحدث بالولايات المتحدة, وفي مصر
لم تعلن جهة ما أنها مسئولة عن وضع سياسة للتعامل مع هذه البوابات من زاوية أمن
المعلومات بما يحقق التوازن بين متطلبات أمن المعلومات من المنظور القومي وبين
حماية حرية تداول المعلومات, وخصوصية الأفراد المستخدمين للشبكة, ولذلك إذا
تساءلت عن مستوي التأمين الذي تحظي به المعلومات المتداولة عبر هذه البوابات,
ستجد نفسك أمام السيناريو الذي رأيناه في قواعد البيانات وشبكات الاتصالات.
ـ هناك مئات من المشروعات البحثية المشتركة جارية بين جهات مصرية وخارجية في
مختلف التخصصات والمجالات, بعضها يرصد ظواهر اجتماعية وآخر يحلل موارد طبيعية,
وثالث يختص بقضايا علمية ابتكارية مستقبلية, وحينما يسأل الكثير من العلماء
والباحثين من ذوي الغيرة الوطنية عن مدي التزام هذه الأبحاث بأهدافها المعلنة
حتي لا تتحول إلي نوافذ تتسرب منها المعلومات الممنهجة عن المجتمع المصري
وموارده وعقله العلمي للخارج لا نجد جهة واحدة تعلن مسئوليتها عن رسم سياسات
للبحوث المشتركة من منظور أمن المعلومات, أي يتكرر السيناريو من جديد,
وهناك عشرات من القضايا الاخري التي يتكرر فيها هذا السيناريو كالمعاملات
الإلكترونية بين الجهات المختلفة وقضية تأمين المحتوي المصري الإنترنت وغيرها.
وفي تصوري أن هذه حالة
رمادية لا نستطيع أن نتبين فيها الخيط الأبيض من الأسود, وهي بالقطع أخطر حتي
من حالة التسليم والاقتناع بوجود حالة الانكشاف, لأن التسليم بالانكشاف يعني
أن المجتمع شعر بوجود المشكلة, ومن ثم سيبادر إلي مواجهتها, لكن حالة اللا
إجابة تعني أن هناك مشكلة, ولكن المجتمع لا يشعر بها, ومن ثم ستظل تتفاقم
وتفعل فعلها السيء في شتي أوصاله دون أن يدري, فيدفع ثمن أضرارها وأخطارها
وخسائرها في صورة مشكلات وظواهر, إما غير مفهومة وغامضة أو غير مرئية.
في النهاية أتمني أن يكون هذا التحليل خاطئا, وسيسعدنا لو اكتشفنا أن هناك
جهة أو طرفا ما يملك إجابة تشخص الواقع الحالي بموضوعية وعمق وبشكل علمي,
وتحدد: هل وضع المعلومات القومية أكثر ميلا للتأمين أم للانكشاف؟
لغة العصر العدد43569
جمال محمد غيطاس |